الآلوسي

81

تفسير الآلوسي

جاز حذف الفاء منه لتقدمه وهو مبني على مذهب الكوفيين . وأبي زيد . والمبرد حيث يجوزون تقديم جواب الشرط ، وعلى هذا فالظاهر أنهم لم يكونوا متحققين بأنهم أول المؤمنين ، وقيل : كانوا متحققين ذلك لكنهم أبرزوه في صورة الشك لتنزيل الأمر المعتمد منزلة غيره تمليحاً وتضرعاً لله تعالى ، وفي ذلك هضم النفس والمبالغة في تحري الصدق والمشاكلة مع * ( نطمع ) * على ما هو الظاهر فيه ، وجوز أبو حيان أن تكون أن هي المخففة من الثقيلة ولا يحتاج إلى اللام الفارقة لدلالة الكلام على أنهم مؤمنون فلا احتمال للنفي ، وقد ورد مثل ذلك في الفصيح ففي الحديث : " إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل " ، وقال الشاعر : ونحن أباة الضيم من آل مالك * وإن مالك كانت كرام المعادن وعلى هذا الوجه يكونون جازمين بأنهم أول المؤمنين أتم جزم . واختلف في أن فرعون هل فعل بهم ما أقسم عليه أولاً والأكثرون على أنه لم يفعل لظاهر قوله تعالى : * ( أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) * وبعض هؤلاء زعم أنهم لما سجدوا رأوا الجنات والنيران والملكوت السماوات والأرض وقبضت أرواحهم وهم ساجدون ، وظواهر الآيات تكذيب أمر الموت في السجود ، وأما رؤية أمر ما ذكر فلا جزم عندي بصدقه والله تعالى أعلم . * ( وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىإِنَّكُم مّتَّبِعُونَ ) * * ( وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ أسْر بعبَادي ) * وذلك بعد سنين أقام بين ظهرانيهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتواً وعناداً حسبما فصل في سورة الأعراف بقوله تعالى : * ( ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ) * ( الأعراف : 130 ) الآيات . وقرئ * ( إن أسر ) * بكسر النون ووصل الألف من سرى . وقرأ اليماني * ( إن سر ) * أمراً من سار يسير * ( إنَّكُمْ مُّتَّبَعُونَ ) * تعليل للأمر بالإسراء أي يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين فأسر ليلاً بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر فيدخلون مداخلكم فأطبقه عليهم فأغرقهم . * ( فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِى الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ ) * * ( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ ) * الفاء فصيحة أي فأسري بهم وأخبر فرعون بذلك فأرسل * ( في الْمَدَائن ) * أي مدائن مصر * ( حَاشرينَ ) * جامعين للعساكر ليتبعوهم . * ( إِنَّ هَاؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ) * * ( إنَّ هَاؤُلاَء ) * يريد بني إسرائيل والكلام على إدارة القول ، والظاهر أنه حال أي قائلاً إن هؤلاء * ( لَشرْذمَةٌ ) * أي طائفة من الناس ، وقيل : هي السفلة منهم ، وقيل : بقية كل شيء خسيس ، ومنه ثوب شرذام وشرذامة أي خلق مقطع ، قال الراجز : جاء الشتاء وقميصي أخلاق * شراذم يضحك منه التواق وقرئ * ( لشرذمة ) * بإضافة شر مقابل خير إلى ذمة ، قال أبو حاتم : وهي قراءة من لا يئخذ منه ولم يروها أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * ( قَليلُونَ ) * صفة شرذمة ، وكان الظاهر قليلة إلا أنه جمع باعتبار أن الشرذمة مشتملة على أسباط كل سبط منهم قليل ، وقد بالغ اللعين في قلتهم حيث ذكرهم أولاً باسم دال على القلة وهو شرذمة ثم وصفهم بالقلة ثم جمع القليل للإشارة إلى قلة كل حزب منهم وأتى بجمع السلامة وقد ذكر أنه دال على القلة ، واستقلهم بالنسبة إلى جنوده . فقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن موسى عليه السلام خرج في ستمائة ألف وعشرين ألفاً لا يعد فيهم ابن عشرين لصغره ولا ابن ستين لكبره وتبعهم فرعون على مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف